الشيخ محمد رشيد رضا
31
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حد ما أباحه اللّه له . وإذا قصد المعتدل اتباع الشرع بإقامة سنة الفطرة وإعطاء كل ذي حق حقه من جسده ونفسه وأهله ، وشكر اللّه على نعمه باستعمالها كما ينبغي ، فقلما يفطن الناس لذلك منه ، ولا يكاد أحد يعده به كامل الدين معتصما بالفضيلة ، فهي فضيلة لا رياء فيها ولا سمعة ، وإنما المفرطون بتعمد التقشف هم الذين كثيرا ما يغترون بأنفسهم ويغتر الناس بهم ، فهم على انحرافهم عن صراط الدين ، يدعون أو يدعى فيهم أنهم أكمل الناس في اتباع الدين أعوز هؤلاء النص على دعوى كون الغلوّ في التقشف من الدين ، فتعلقوا ببعض وقائع الأحوال من سيرة فقراء السلف الصالح على تصريحهم بأن وقائع الأحوال في السنة لا يستدل بها لإجمالها وتطرق الاحتمال إليها ، فكيف إذا كانت وقائع من لا يحتج بقول أحد منهم ولا بفعله ؟ عقد أبو حامد الغزالي في احيائه كتابا سماه ( كتاب كسر الشهوتين ) - شهوة البطن وشهوة الفرج - وطريقته أن يبدأ في كل موضوع بما ورد فيه من الآيات فالاخبار النبوية فالآثار السلفية ، ونراه لم يجد آية يبدأ بها موضوع ( بيان فضيلة الجوع وذم الشبع ) فبدأه بأحاديث أكثرها لا يعرف المحدثون له أصلا قط ، وبعضها ضعيف أو موضوع . فمن هذه الأحاديث ما نذكره غير مسند إلى النبي ( ص ) وهي : ( 1 ) جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فان الاجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل اللّه ، وانه ليس من عمل أحب إلى اللّه من جوع وعطش ( 2 ) لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه ( 3 ) قيل يا رسول اللّه أي الناس أفضل ؟ قال : من قل مطعمه وضحكه ورضي بما يستر به عورته ( 4 ) سيد الاعمال الجوع ، وذل النفس لبس الصوف ( 5 ) البسوا واشربوا وكلوا في أنصاف البطون فإنه جزء من النبوة ( 6 ) الفكر نصف العبادة ، وقلة الطعام هي العبادة ( 7 ) أفضلكم عند اللّه منزلة يوم القيامة أطولكم جوعا وتفكرا ، وأبغضكم عند اللّه كل نؤوم وشروب ( 8 ) لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب فان القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء . قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء عند كل حديث من هذه لأحاديث انه لم يجد له أصلا . وأقره المرتضى الزبيدي شارح الاحياء على ذلك